عندما نسمع عن محركات السيارات أو الدراجات النارية، غالبًا ما يُستخدم تعبير مثل “المحرك بقوة 100 حصان” أو “160 حصانًا”، لكن هل تساءلت يومًا عن معنى هذا القياس؟ ولماذا وقع الاختيار على الحصان تحديدًا، وليس أي حيوان آخر مثل الأسد، أو الفهد، أو حتى القرش؟ للإجابة عن هذا السؤال، علينا العودة بالزمن إلى القرن الثامن عشر، حينما لم تكن هناك سيارات أو قطارات، بل كانت الخيول هي الوسيلة الأساسية للنقل وأداء الأعمال الشاقة.
أصل المصطلح في عصر المناجم
في ذلك الوقت، كانت الخيول تُستخدم بكثرة في المناجم لنقل المياه الجوفية التي كانت تغمر آبار الفحم والنحاس. ونظرًا إلى أهمية هذه المهمة، ظهرت الحاجة إلى اختراع أجهزة ميكانيكية تساعد في رفع المياه بكفاءة أعلى. وهنا ظهر المهندس توماس سيفوري، الذي نجح في ابتكار أول محرك بخاري، لكن مشكلته كانت ضعفه وكثرة أعطاله. لم يكن الحل النهائي، حتى جاء المهندس توماس نيوكومن عام 1712 وابتكر محركًا أكثر قوة، لكنه كان يستهلك كميات هائلة من الوقود.
في عام 1764، ظهر جيمس وات، المهندس الاسكتلندي الذي يُعرف اليوم بالأب الروحي للمحركات البخارية. بدأ وات بتطوير محرك نيوكومن، ونجح في تقليل استهلاك الوقود بشكل كبير بفضل إضافة المكثف، مما جعل المحرك أكثر كفاءة. ومع انتشار هذا المحرك، واجه وات تحديًا كبيرًا: كيف يُقنع الناس الذين اعتادوا على استخدام الخيول بالتحول إلى المحركات؟
لماذا تم اختيار الحصان كوحدة قياس؟
أدرك جيمس وات أن أفضل طريقة لإقناع الناس هي استخدام مقارنة مألوفة لديهم. وبما أن الخيول كانت تُستخدم في الأعمال الشاقة، قرر وات أن يقيس قوة محركاته بناءً على القوة التي يستطيع الحصان الواحد إنتاجها. لذا، أخذ حصانه الخاص – وهو حصان جر ثقيل – وأجرى تجارب دقيقة لقياس كمية الوزن التي يستطيع رفعها، والمسافة التي يقطعها، والزمن الذي يستغرقه في ذلك. وبعد سلسلة من الحسابات، توصل إلى أن الحصان الواحد يستطيع إنتاج قوة تعادل 750 واط تقريبًا، فقرر أن تكون وحدة قياس قوة المحركات هي “حصان واحد“.
بهذه الطريقة، استطاع وات أن يسوّق لمحركاته بسهولة، حيث كان بإمكانه القول إن “محركه يعادل قوة 10 خيول”، مما جعل الفكرة واضحة وسهلة الفهم بالنسبة للناس. وسرعان ما انتشر هذا النظام وأصبح “الحصان الميكانيكي” (Horsepower) المقياس الرسمي لقوة المحركات في مختلف الصناعات.
لماذا لم يتم اختيار حيوان آخر؟
قد يتساءل البعض: لماذا لم يقع الاختيار على حيوانات أخرى مثل الأسد أو الفهد أو القرش؟ السبب في ذلك أن الحصان يتميز بعدة عوامل جعلته الخيار الأنسب، وأهمها:
- القوة والقدرة على التحمل: رغم أن بعض الحيوانات قد تكون أسرع أو أقوى في لحظات معينة، إلا أن الحصان يتميز بقوته المستمرة على مدى فترات طويلة، مما يجعله مثالًا عمليًا أكثر من الفهد، مثلًا، الذي يعتمد على السرعة العالية لفترة قصيرة فقط.
- الطاقة المنتجة: عند قياس قوة بعض الحيوانات الأخرى، نجد أن الحصان يتفوق على معظمها. فمثلًا، قوة الثور – الذي يُعتبر أقوى من الحصان من حيث الحجم – تُقدر بحوالي 560 واط فقط، بينما تبلغ قوة الجمل 500 واط، أي أقل من الحصان بكثير.
- القرب من حياة الإنسان: كان الحصان جزءًا أساسيًا من حياة الناس اليومية في ذلك الوقت، سواء في النقل أو الزراعة أو الأعمال الأخرى، على عكس حيوانات مثل القرش أو النسر، التي لم تكن لها علاقة مباشرة بالأعمال الشاقة.
استمرار استخدام المصطلح حتى اليوم
على الرغم من التقدم التكنولوجي الهائل وظهور وحدات قياس جديدة مثل الواط، لا تزال وحدة “قوة الحصان“ تُستخدم حتى اليوم، حتى في عام 2025، للإشارة إلى قوة السيارات والمحركات. فبفضل هذا القياس الذي ابتكره جيمس وات قبل أكثر من 250 عامًا، لا يزال بإمكاننا اليوم سماع إعلانات السيارات وهي تتحدث عن “محركات بقوة 300 حصان”، وهو ما يوضح كيف أن هذا المصطلح لم يفقد أهميته رغم مرور القرون.
الخلاصة
لم يكن اختيار الحصان كوحدة قياس لقوة المحركات مجرد صدفة، بل كان قرارًا مدروسًا من جيمس وات، الذي أراد طريقة واضحة ومفهومة لإقناع الناس بقوة محركاته. وبفضل القوة العالية التي يتمتع بها الحصان، إلى جانب ارتباطه الوثيق بحياة البشر، أصبح “الحصان الميكانيكي“ المقياس العالمي لقوة المحركات، ولا يزال يُستخدم حتى يومنا هذا.