يلاحظ الكثيرون أن هناك تفاوتًا واضحًا بين الأفراد من حيث طبيعة نومهم؛ فبعض الأشخاص يكون نومهم خفيفًا، حيث يمكن لأبسط الأصوات أو حتى مرور نسمة هواء بجوارهم أن توقظهم، بينما هناك آخرون لا يستيقظون إلا بصعوبة، حتى لو كان هناك ضجيج شديد أو أصوات عالية من حولهم. هذه الظاهرة منتشرة بين الجميع، بل إن الشخص نفسه قد يمر بأحد هذين النوعين في مراحل مختلفة من حياته.
لكن، لفهم السبب وراء هذا الاختلاف، من الضروري أولًا التعرف على آلية النوم والمراحل التي يمر بها الإنسان منذ لحظة استلقائه على السرير وحتى استيقاظه.
مراحل النوم: كيف ينام الإنسان؟
اتفق العلماء على أن النوم يمر بخمس مراحل أساسية، تبدأ بالمرحلة الأولى التي تُعد أقصر المراحل، حيث تستمر لبضع دقائق فقط. في هذه المرحلة، يكون الإنسان في حالة بين النوم واليقظة، إذ يبدأ معدل التنفس وضربات القلب بالتباطؤ، وتقل حركة العين ونشاط الدماغ تدريجيًا، بينما تسترخي العضلات. ولهذا، يكون من السهل جدًا إيقاظ الشخص أثناء هذه المرحلة.
بعد ذلك، تأتي المرحلة الثانية، وهي أطول نسبيًا، حيث قد تمتد ما بين 30 إلى 60 دقيقة. في هذه المرحلة، يستمر انخفاض معدل التنفس وضربات القلب ونشاط الدماغ، وتستمر العضلات في الاسترخاء بشكل أكبر، حتى تتوقف حركة العين تمامًا.
ثم يدخل الإنسان في المرحلة الثالثة، التي تعد أولى مراحل النوم العميق، تليها المرحلة الرابعة، وهي الأعمق على الإطلاق. في هذه المرحلة، يكون إيقاظ النائم أمرًا صعبًا للغاية، وتسمى هذه المرحلة أيضًا بـ”مرحلة الشفاء”، نظرًا لأهميتها الكبيرة في الحفاظ على الصحة. خلالها، يعمل الجسم على إصلاح وتجديد الخلايا، وتحفيز إفراز الهرمونات، وتعزيز عملية التمثيل الغذائي، كما يقوم جهاز المناعة بالتخلص من السموم، وتعمل الكلى على تصفية الدم.
أما المرحلة الخامسة، فتُعرف بمرحلة حركة العين السريعة، حيث يبدأ معدل التنفس وضربات القلب وضغط الدم في الارتفاع مرة أخرى، وتتحرك العين بسرعة في جميع الاتجاهات، كما يصل نشاط الدماغ إلى مستويات مشابهة لما يكون عليه الإنسان في حالة اليقظة. وخلال هذه المرحلة، تحدث الأحلام.
بمجرد انتهاء هذه المراحل الخمس، تعيد الدورة نفسها من جديد، وتتكرر من أربع إلى خمس مرات خلال الليل، اعتمادًا على عمر الشخص وظروف نومه.
لماذا ينام البعض بعمق بينما ينام آخرون بشكل خفيف؟
يكمن السبب الأساسي في الاختلاف بين النوم الخفيف والنوم الثقيل في المدة التي يقضيها الشخص في كل مرحلة من مراحل النوم. فالأمر لا يتعلق بعدد ساعات النوم، بل بكمية النوم العميق التي يحصل عليها الفرد.
فمثلًا، قد ينام شخص ما لمدة ست ساعات فقط، لكنه يشعر بالراحة والنشاط عند الاستيقاظ، لأنه قضى وقتًا كافيًا في مراحل النوم العميق. في المقابل، قد ينام شخص آخر لمدة تسع ساعات، لكنه يستيقظ مرهقًا وكأنه لم ينم، وذلك لأنه قضى معظم نومه في المراحل الخفيفة.
وبشكل عام، يميل الشباب إلى قضاء وقت أطول في النوم العميق مقارنةً بكبار السن، ولهذا نجد أن نوم المسنين يكون خفيفًا في كثير من الأحيان.
العوامل المؤثرة في نمط النوم
إلى جانب مدة النوم العميق، هناك عدة عوامل أخرى تلعب دورًا في تحديد طبيعة النوم، ومنها:
- الحساسية تجاه الأصوات: فالأشخاص الذين يتأثرون بسهولة بالضوضاء يكون نومهم أخف من غيرهم.
- العوامل الوراثية: إذ تشير الدراسات إلى أن نمط النوم يمكن أن يكون موروثًا، فلو كان أحد الوالدين نومه ثقيلًا، فمن المحتمل أن يرث الأبناء هذا النمط، والعكس صحيح.
- نمط الحياة: فالعادات اليومية تلعب دورًا مهمًا في تحديد جودة النوم. فمثلًا، الإفراط في تناول الكافيين (سواء من القهوة أو الشاي أو المشروبات الغازية) يؤثر سلبًا على النوم، وقد يؤدي إلى الأرق أو النوم الخفيف.
هل النوم الثقيل أو الخفيف مشكلة صحية؟
بشكل عام، يُعتبر النوم العميق مفيدًا جدًا للصحة، حيث يساعد الجسم على استعادة طاقته وإصلاح نفسه. ومع ذلك، فإن النوم الثقيل قد يكون له بعض العيوب، مثل زيادة خطر الإصابة بالسمنة وأمراض القلب، بالإضافة إلى احتمال تفويت المواعيد المهمة أو الاستيقاظ بصعوبة عند الحاجة.
أما النوم الخفيف، فيُعد أكثر إشكالية، لأنه يحرم الجسم من الفوائد التي يوفرها النوم العميق، مما قد يؤدي إلى الشعور الدائم بالإرهاق وقلة التركيز.
6 نصائح للحصول على نوم أفضل
سواء كنت تعاني من النوم الخفيف أو الثقيل، فهناك بعض الخطوات التي يمكن أن تساعدك في تحسين جودة نومك، ومنها:
- الالتزام بجدول نوم منتظم: أي النوم والاستيقاظ في نفس التوقيت يوميًا، مما يساعد الجسم على ضبط ساعته البيولوجية.
- اتباع روتين مريح قبل النوم: مثل قراءة كتاب، أو كتابة اليوميات، أو أخذ حمام دافئ، مع تجنب أي أنشطة مرهقة جسديًا أو ذهنيًا.
- ضبط درجة حرارة الغرفة: حيث إن النوم في بيئة باردة يساعد على الاستغراق في النوم لفترة أطول.
- الاستثمار في سرير مريح: فاختيار مرتبة ووسادة مناسبة يمكن أن يُحسن من جودة النوم على المدى الطويل.
- تقليل المؤثرات الخارجية: مثل الضوضاء والضوء، وذلك باستخدام ستائر عاتمة أو اختيار غرفة نوم بعيدة عن الشارع.
- الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية: حيث إن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يثبط إنتاج هرمون الميلاتونين، وهو المسؤول عن تنظيم النوم.
الخلاصة
النوم ليس مجرد عدد ساعات، بل هو عملية معقدة يمر فيها الجسم بمراحل متعددة تؤثر على جودة الراحة التي يحصل عليها الفرد. فالنوم العميق هو المفتاح للاستيقاظ بطاقة ونشاط، بينما قد يؤدي النوم الخفيف إلى الشعور الدائم بالتعب. لذا، من المهم الالتزام بعادات صحية تساعد في تحسين جودة النوم، سواء كنت من أصحاب النوم الثقيل أو الخفيف.