هل يمكن لبركان أن يدمر العالم بأسره؟

هل يمكن لبركان أن يدمر العالم بأسره؟

لطالما كانت البراكين من أكثر الظواهر الطبيعية تدميرًا، فهي قادرة على محو مدنٍ بأكملها في لحظات، كما حدث مع مدينة بومبي في الإمبراطورية الرومانية، أو إحداث دمارٍ واسع النطاق كما حصل عند انفجار بركان جبل سانت هيلين في الولايات المتحدة عام 1980. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل من الممكن أن ينفجر بركان في المستقبل بقوة كافية لتدمير العالم كله، واختفاء الحضارة الإنسانية بالكامل؟

البراكين وقربها من تدمير العالم في الماضي

في الواقع، لم يكن العالم بعيدًا تمامًا عن مواجهة كارثة بركانية بحجمٍ عالمي في الماضي، حيث تسبب أحد الانفجارات البركانية في وضع العالم على حافة الدمار، مما يعني أن مثل هذا الحدث ليس مستحيلًا تمامًا. لكن إذا حدث انفجار بركاني بهذه القوة، فماذا ستكون عواقبه؟ وهل تستطيع البشرية النجاة منه؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من فهم مفهوم مهم يُعرف باسم مؤشر التفجر البركاني (VEI)، وهو مقياس نسبي يُستخدم لتحديد قوة الانفجار البركاني، حيث يبدأ من المستوى صفر، وهو انفجار ضعيف يكاد يكون غير محسوس، وصولًا إلى المستوى الثامن، الذي يُصنَّف على أنه “انفجار فائق” قادر على إحداث دمار عالمي يعادل تأثير اصطدام كويكب بالأرض.

عند تطبيق هذا المقياس على أقوى الانفجارات البركانية في التاريخ، نجد أن انفجار بركان جبل فيزوف، الذي محا مدينة بومبي، وكذلك انفجار جبل سانت هيلين، قد تم تصنيفهما عند المستوى الخامس فقط. وهذا أمر مدهش، خاصة أن انفجار جبل سانت هيلين أطلق طاقة تعادل 24 ميغا طن، أي ما يعادل 1600 قنبلة ذرية من تلك التي أُسقطت على هيروشيما! وبالتالي، فإن أي انفجار بركاني يتجاوز هذا المستوى ستكون عواقبه كارثية على نحو لا يمكن تصوره.

واقرأ أيضًا ⇐ هل وصل أحد إلى باطن الأرض من قبل؟

أمثلة على براكين تجاوزت المستوى الخامس

من البراكين التي تجاوزت هذا المستوى كان بركان كراكاتوا في إندونيسيا عام 1883، الذي بلغ مستوى تفجره السادس، وأطلق طاقة هائلة وصلت إلى 200 ميغا طن، أي أقوى بـ 13,000 مرة من قنبلة هيروشيما. لم يقتصر تأثيره على الدمار المباشر فحسب، بل تسبب أيضًا في إصدار أعلى صوت سُجل في تاريخ البشرية، حيث كان الانفجار مسموعًا من مسافة 4800 كيلومتر، وأدى إلى تدمير طبلة أذن البحارة على بعد 64 كيلومترًا من مركز الانفجار. كما تسبب في أمواج تسونامي وصل ارتفاعها إلى 30 مترًا، اجتاحت السواحل وأودت بحياة 12,000 شخص على الفور.

أما أحد أخطر آثار الانفجارات البركانية، فهو الرماد البركاني، الذي يمكن أن يحجب أشعة الشمس، مما يؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة عالميًا، وبالتالي تهديد الإنتاج الزراعي وحدوث المجاعات. على سبيل المثال، أدى انفجار كراكاتوا إلى انخفاض درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.2 درجة مئوية، واستمرت هذه التغيرات المناخية لمدة أربع سنوات متتالية من 1884 إلى 1888.

وفي عام 1783، حدث انفجار بركاني آخر في آيسلندا، أدى إلى انبعاث كميات هائلة من ثاني أكسيد الكبريت، أكبر حتى من إجمالي الانبعاثات الصناعية الحديثة في أوروبا على مدى ثلاث سنوات. هذا التلوث الجوي تسبب في سحابة من الغازات السامة قتلت 50% من الماشية في آيسلندا، مما أدى إلى مجاعة أودت بحياة 20% من سكان الجزيرة. وانتشرت هذه السحابة إلى بقية أوروبا، متسببةً في وفاة 23,000 شخص في بريطانيا وحدها.

ماذا لو انفجر بركان من المستوى السابع أو الثامن؟

أقوى انفجار بركاني مسجل في التاريخ هو انفجار بركان تمبورا في إندونيسيا عام 1815، الذي صُنف عند المستوى السابع. أطلق البركان 400 مليون طن من الرماد إلى الغلاف الجوي، مما تسبب في ظلام دامس امتد لمئات الكيلومترات واستمر لمدة يومين كاملين. ولم يقتصر تأثيره على المنطقة المحيطة به فحسب، بل أدى إلى انخفاض درجات الحرارة العالمية، لدرجة أن عام 1816 أُطلق عليه اسم “العام بلا صيف”، حيث سقط الثلج في شهر يونيو بمدينة نيويورك، وحدثت مجاعات في مختلف أنحاء العالم بسبب تلف المحاصيل الزراعية. وقد تسبب هذا الانفجار وحده في مقتل أكثر من 100,000 شخص.

ولكن السؤال الأهم: ماذا لو انفجر بركان من المستوى الثامن؟

بركان يلوستون: الخطر الأكبر على وجه الأرض

يُعتبر بركان يلوستون في الولايات المتحدة من أخطر البراكين التي قد تسبب كارثة عالمية إذا انفجر. يقع هذا البركان تحت حديقة يلوستون الوطنية، ومرّ بثلاثة انفجارات عملاقة في الماضي، كان آخرها قبل 640,000 سنة. ويحتوي البركان على كمية هائلة من الصهارة المنصهرة تكفي لدفن بلد بحجم هولندا بالكامل تحت طبقة من الصخور المنصهرة بسُمك كيلومتر كامل!

وعلى الرغم من أن احتمال انفجاره حاليًا ضعيف جدًا، إلا أن حدوثه سيكون كارثيًا بكل المقاييس، حيث أن الرماد البركاني المنبعث منه قد يدفن ولايات أمريكية بأكملها، مثل مونتانا، أيداهو، ووايومنغ، وسيكون الهروب من الولايات المتحدة ضروريًا للبقاء على قيد الحياة. من المتوقع أن تكون المناطق الوحيدة الآمنة نسبيًا هي جنوب الولايات المتحدة، مثل ولاية تكساس، ولكن حتى هذه المناطق ستواجه صعوبات شديدة.

عالميًا، سيؤدي هذا الانفجار إلى دخول الأرض في “شتاء بركاني” قد يستمر لمدة 10 سنوات، حيث سيحجب الرماد البركاني أشعة الشمس، مما سيتسبب في انهيار الإنتاج الزراعي، ونفوق أعداد هائلة من الحيوانات، وانتشار المجاعات على نطاق عالمي. وكل ما حققته البشرية حتى لحظة الانفجار سيتحول إلى رماد، وسيصبح العالم كما نعرفه شيئًا من الماضي.

وهنا ⇐ معلومات عن البراكين لعمل الأبحاث والمقالات العلمية

هل يمكن للبشرية النجاة؟

على الرغم من الدمار الهائل المتوقع، إلا أن هذا الانفجار لن يؤدي بالضرورة إلى انقراض البشر تمامًا. الحياة ستستمر، ولكن في شكل جديد ومختلف جذريًا عما هو عليه الحال اليوم. قد تضطر البشرية إلى التكيف مع بيئة قاسية ومظلمة لفترة طويلة، وقد تتغير موازين القوى العالمية بالكامل.

في النهاية، يظل السؤال قائمًا: هل نحن مستعدون لمثل هذا الحدث الكارثي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error:
Scroll to Top